فصل: مسألة يأخذ المال قراضا فيعمل فيه ثم يشتري جارية فيطأها فتحمل منه ثم نقص المال:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة يأخذ المال قراضا فيعمل فيه ثم يشتري جارية فيطأها فتحمل منه ثم نقص المال:

ومن كتاب أوله لا قسامة في العبيد:
وقال مالك، في الرجل يأخذ المال قراضا فيعمل فيه ثم يشتري من ربح المال أو من جملته جارية فيطأها فتحمل منه ثم نقص المال. قال مالك: إن كان له مال أخذت قيمة الجارية من ماله فيجبر به القراض، ثم ما كان من ربح بعد وفاء المال فهو بينهما، قال ابن القاسم: وإن لم يكن له مال اتبع بقيمتها دينا ولم تبع.
قال سحنون: قول ابن القاسم يكون دينا يتبع به- غير معتدل عندي وتباع إلا أن يكون فيها فضل فيباع منها بقدر رأس مال رب المال وربحه ويبقى ما بقي منها بحال أم الولد.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه المسألة هو نص قول مالك في الموطأ، وزاد فيه: فإن لم يكن له مال بيعت الجارية حتى يجبر المال من ثمنها.
وهذا هو الحكم فيها إذا اشتراها ثم وطئها فحملت، والقيمة في ذلك إذا كان له يوم حملت. فلم يفرق مالك على قوله هذا وهو قوله في موطئه بين أن يشتريها من مال القراض فيطأها وبين أن يطأها بعد أن اشتراها للقراض، وفرق ابن القاسم بين المسألتين، فقال: إنه إذا اشتراها من مال القراض ليطأها فوطئها أنها لا تباع إن لم يكن له مال، قال مرة: وتؤخذ منه قيمتها إن كان له مال فيجبر به القراض، ويتبع بها إن لم يكن له مال ولا تباع وهو قوله في هذه الرواية.
ومعناه عندي: إن كانت القيمة أكثر من الثمن فإرادته أنه يتبع بالأكثر من الثمن أو القيمة، وقال مرة: إنه يؤخذ منه الثمن فيجبر به القراض إن كان له مال، ولا تباع، وهو قوله في رسم جاع فباع امرأته من سماع عيسى بعد هذا.
وإذا أخذ منه الثمن الذي اشتراها به أو الأكثر من القيمة أو الثمن على ما تأولنا عليه قوله في هذه الرواية واتبع بذلك دينا ثابتا في ذمته كانت له أم ولد ولم يتبع بقيمة الولد على ما قاله عيسى بن دينار في رسم جاع فباع امرأته من سماع عيسى؛ لأنه لم يقل إنه يتبع بقيمة الولد إلا إذا اشتراها للقراض ثم وطئها، وسنذكر هناك وجه قوله إن شاء الله. وعاب سحنون قول ابن القاسم واختار قول مالك أنها تباع إن لم يكن لها مال وتباع على مذهبه، وما اختاره من قول مالك فيما لزمه من قيمتها يوم حملت فإن لم يف ثمنها الذي بيعت به بقيمتها يوم حملت اتبع بما نقص من قيمتها يوم حملت وإذا أخذت منه قيمتها يوم حملت أو بيعت في ذلك إن لم يكن له مال على هذا القول يخرج اتباعه أيضا مع هذا بقيمة الولد على قولين قد ذكرنا وجههما في نوازل سحنون من كتاب الاستبراء. وهذا إذا لم يكن فيها فضل.
وأما إن كان فيها فضل، فقيل: إنه يباع منها على العامل إن لم يكن له مال لرب المال بقدر رأس ماله وربحه ويبقى ما بقي منها بحال أم ولد. وهو قول سحنون هاهنا.
وقيل: يكون حكمها حكم الأمة بين الشريكين يطأها أحدهما فتحمل ولا مال له، وهو قول عيسى بن دينار في رسم جاع من سماعه.
هذا تحصيل القول في هذه المسألة على ما حملها عليه بعض أهل النظر باتباع ظواهر الروايات، والذي أقول به في هذه المسألة: إن الاختلاف في بيعها إذا حملت وهو عديم إنما هو إذا اشترى ووطئ ولم يعلم إن كان اشترى للقراض أو لنفسه بمال استسلفه من القراض إلا بقوله.
فحمله مالك على أنه اشتراها للقراض ولم يصدقه أنه اشتراها لنفسه بمال استسلفه من القراض.
ولذلك قال: إنها تباع إن لم يكن له مال، وحمله ابن القاسم على أنه اشتراها لنفسه بمال تسلفه من القراض بل لم يصدقه أنه اشتراها للقراض إن زعم ذلك على ما روى عنه أبو زيد في سماعه. ولذلك قال: إنها لا تباع. وأما إن علم أنه اشتراها لنفسه بمال تسلفه من القراض فلا تباع ويتبع بالثمن الذي اشتراها به قي ذمته قولا دون اختلاف، كما لا يختلف إذا اشتراها للقراض ببينة تقوم على ذلك ثم وطئها فحملت ولا مال له في أنها تباع فيما لزمه من قيمتها، وبالله التوفيق.

.مسألة رجل قارض رجلا ثم إنه أشركه بعد ذلك في سلعة اشتراها:

ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت:
قال: وسئل مالك: عن رجل قارض رجلا ثم إنه أشركه بعد ذلك في سلعة اشتراها.
قال: إن كان صح ذلك فلا أرى بأسا.
قال عيسى: لا بأس من اشترى منهما سلعة من صاحبه فأشرك صاحبه فيها، المقارض كان المقارض، كان من مال القراض أو من مال نفسه.
قال محمد بن رشد: أما إذا أشرك العامل لرب المال القراض في سلعة اشتراها لنفسه من ماله أو للقراض من مال القراض فلا إشكال في جواز ذلك.
إذ لا اختلاف في أنه يجوز أن يبيع العامل من رب المال سلعة إلا أن يكون ذلك والمال ناض عنده وقيمة السلعة أكثر من الثمن الذي باعها به منه فيكره ذلك مخافة أن يكون إنما حاباه بها ليقر القراض بيده ولا يأخذه منه.
وأما إذا أشرك رب المال العامل في سلعة اشتراها فإن كان ذلك بعد أن نقد الثمن فذلك بمنزلة إذا باع منه في سلعة سواء.
ولذلك قال مالك: إن كان صح ذلك فلا أرى به بأسا. وقد مضى تحصيل القول في ذلك في أول سماع ابن القاسم. ورأى عيسى التهمة في ذلك مرتفعة من أجل أن الشركة على وجه المعروف.
وأما إن كان أشركه فيها قبل أن ينقد الثمن بحضرة البيع فلا إشكال في أن ذلك جائز إذ لا تهمة فيه من أجل أنه إنما يدفع الثمن إلى البائع والعهدة عليه فكأنه إنما اشترى منه.
ويحتمل أن يكون تكلم مالك على أنه قد نقد وعيسى على أنه لم ينقد وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.

.مسألة يدفع إلى رجل مالا قراضا ويشترط عليه أن زكاة ربح المال في حصتك من الربح:

من سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون من كتاب أوله قراض قال سحنون: قال أشهب وابن نافع: سئل مالك: عن الرجل يدفع إلى رجل مالا قراضا ويشترط عليه أن زكاة ربح المال في حصتك من الربح، قال: لا خير فيه، ثم سئل عنها من الغد أيضا، فقيل له: الرجل يقارض الرجل ويشترط عليه أن عليك زكاة ربح المال في حصتك من الربح؟ فقال: ما هذا بحسن.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في أصل الأسدية من أنه لا يجوز لواحد منهما أن يشترط زكاة الربح على صاحبه. خلاف قوله في المدونة أنه يجوز أن يشترط ذلك واحد على صاحبه.
وقد مضى في آخر سماع أشهب من كتاب المساقاة وجه الاختلاف في ذلك إذا اشترط أحد المتساقيين على صاحبه زكاة الثمرة فأغنانا ذلك عن إعادته هنا.
إذ لا فرق بين اشتراط أحد المتساقيين على صاحبه جميع زكاة الثمرة في المساقاة وبين أن يشترط أحد المتقارضين زكاة ربح المال على صاحبه في القراض.
وأما زكاة رأس المال فهو على صاحب المال لا يجوز له أن يشترطه على العامل باتفاق، وبالله التوفيق.

.مسألة يأخذ من الرجل مائة دينار قراضا ويقول له إن احتجت زدتك:

وسئل مالك: عن الرجل يأخذ من الرجل مائة دينار قراضا، ويقول له: إن احتجت زدتك فيشتري العكم البز بمائة دينار وعشرة دنانير ثم يأتي فيأخذ منه العشرة بعد اشترائه العكم.
فقال: ما أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قاله؛ لأنه اشترى ذلك العكم بالزيادة التي زاده على ما دفع إليه أولا في صفقة واحدة، ولو اشترى العكم البز بمائة دينار ثم أراد أن يشتري سلعة أخرى بزيادة يأخذها منه لم تجز إلا على أن يكون قراضا على حدة لا يخلطها، ولو زاده زيادة بعد أن باع العكم الذي اشتراه أولا بالمائة بربح أو وضيعة لما جاز ذلك على أن تخلطه بالمال الأول ولا على ألا يخلطه به إذا كان على خلاف الجزء الأول.
واختلف إن كان زاده الزيادة على مثل الجزء الأول. فقيل: إن ذلك لا يجوز أيضا بحال. وهو قول ابن القاسم في المدونة.
وقال غيره فيها: إن ذلك جائز على ألا يخلطه بالمال الأول، وبالله التوفيق.

.مسألة رجل أخذ من رجلين مالا قراضا فأراد أن يخلطه بغير إذنهما:

ومن كتاب أوله مسائل بيوع:
وسئل مالك: عن رجل أخذ من رجلين مالا قراضا فأراد أن يخلطه بغير إذنهما، فقال: يستأذنهما أحسن وأحب إلي، فإن لم يستأذنهم فلا أرى عليه سبيلا، قيل له: فإنه استأذن أحدهما فأذن له ولم يأذن له الآخر فخلطهما، قال: يستغفر الله ولا يعد.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء في المعنى في الرجل يأخذ مالا قراضا وله مال يتجر فيه أن له أن يخلطه فيتجر بهما جميعا معا والصواب أن يفعل ذلك تحريا للعدل فيما بينه وبينه إن خشي إن قدم ماله وقع الرخص فيه وإن قدم مال الرجل أن يقع الرخص في الآخر، فكذلك هذان المالان له أن يخلطهما بعد إذن صاحبيهما تحريا للعدل فيما بينهما ولما يرجو من استغزار الربح بخلطهما، واستئذانهما أحسن إذ قد يكره كل واحد منهما ذلك لما يعتقد من أن ماله أطيب من مال الآخر، فإن خلطه بغير اختيار صاحبيهما لم يلزمه في ذلك ضمان إذ لا ضرر في خلطتهما على واحد منهما ولا وجه من وجوه التضييع، وبالله التوفيق.

.مسألة القراض في نقر الذهب والفضة:

وسألته: عن القراض في نقر الذهب والفضة أيصح؟ فقال: نعم في رأيي قد قارض الناس قبل أن يضرب الذهب والفضة.
قلت له: ويرد نقرا مثلها؟ قال: نعم.
قلت له: ولا يصح أن يقارض من الذهب والفضة فيما كان مصوغا؟ فقال: ليس هكذا يقارض الناس، يبيع ذلك الخلخال والسوار ويعطيه دنانير.
قلت له: ذلك أحب إليك؟ قال: لا بل هو الشأن متى يأتي هذا المقارض بمثل هذا الخلخال وهذا السوار ويرد عليه مثله.
قال محمد بن رشد: مضى القول في القراض بالنقر من الذهب والفضة في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته. ومضى فيه أيضا ذكر الاختلاف في القراض بالحلي المصوغ.
ولمالك في كتاب ابن المواز: أن ذلك لا يجوز، مثل قوله هنا، وزاد: أنه إن وقع القراض بالحلي المصوغ من الذهب أو الفضة فهو أجير في بيعه وعلى قراض مثله في الثمن، وهو مفسر لقوله في هذه الرواية؛ لأن الصياغة كالعروض، وبالله التوفيق.

.مسألة المقارض أيشرب الدواء ويحتجم ويدخل الحمام من القراض:

وسئل مالك: عن المقارض أيشرب الدواء ويحتجم ويدخل الحمام من القراض، فقال: ما كانت هذه الأشياء يوم كان القراض إن قلم ظفرا أو أخذ من شعره كان من القراض!!! ما كانت هذه الأشياء حين كان القراض، وأما في الحجامة والحمام فأرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: قوله ما كانت هذه الأشياء يوم كان القراض، يريد: أنه لم يكن يؤخذ عليها في الزمن الأول أعواض.
والواجب أن يرجع في هذه الأشياء كلها إلى العرف والعادة في كل زمن وكل بلد، فما لم تجر العادة أن يؤخذ عليه عوض من ذلك لم يصح له أن يعطي عليه عوضا من القراض، وما جرت العادة أن يؤخذ عليه عوض من ذلك وقدره يسير يتكرر جاز له أن يعطيه من مال القراض؛ لأن رب المال قد علم بذلك ودخل عليه لتكرره، بخلاف الدواء الذي إنما يؤخذ عند المرض فلا يصح له أن يعطيه من القراض إذ لم يدخل على ذلك رب المال معه، وبالله التوفيق.

.مسألة زكاة القراض:

وسألته عن زكاة القراض، فقال: زكاة رأس المال على رب المال، وزكاة الربح من بينهما على قراضهما، وذلك أن يكون رأس المال ألف دينار فيرفع فيها خمسة وعشرين دينارا فيؤدي من الألف رأس المال زكاتها خمسة وعشرين دينارا على رب المال، ثم يؤخذ من الخمسة وعشرين دينارا زكاتهما ربع العشر ثم يقتسمان ما بقي بينهما على قراضهما.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن ربح القراض يزكى كما يزكى رأس المال، قيل: إذا كان في رأس المال وحصة رب المال من الربح ما تجب فيه الزكاة وهو المشهور من مذهب ابن القاسم.
وقيل: إذا كان في جميع المال بربحه ما تجب فيه الزكاة وهو قول أشهب وروايته عن مالك ومذهب سحنون واختيار محمد بن المواز.
وقيل: إنه لا يجب على العامل في حظه من الربح زكاة حتى يكون ما تجب فيه الزكاة فرأس المال وحصة رب المال من الربح مزكاة على ملكه باتفاق، لا يجب في ذلك زكاة إلا أن يكون حرا مسلما لا دين عليه ويكون قد حال عليه الحول وفيه ما تجب فيه الزكاة وفيه مال سواه إن كان له مال سواه قد حال عليه الحول ما تجب فيه الزكاة.
واختلف في زكاة حصة العامل من الربح. فقيل: إنها مزكاة على ملك رب المال لا يراعى شروط وجوب الزكاة المذكورة إلا فيه لا في العامل.
وقيل: إنها مزكاة على ملك رب المال لا تراعى شروط وجوب الزكاة المذكورة إلا فيه لا في رب المال.
وقيل: إنها مزكاة على ملكهما جميعا، فتراعى الشروط المذكورة فيهما جميعا.
ولم يجر ابن القاسم في ذلك على قياس؛ لأنه راعى الإسلام والحرية وعدم الدين في كل واحد منهما. واضطرب قوله في النصاب والحول، فله في النصاب ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو المشهور من قوله أنه لا يجب على العامل في حظه الزكاة حتى يكون في رأس المال وحصته من الربح ما تجب فيه الزكاة.
والثاني: وهو قوله في رواية أصبغ عنه أنه لا تجب على العامل في حظه الزكاة حتى يكون في رأس مال رب المال وجميع الربح ما تجب فيه الزكاة.
والثالث: أنه لا يجب على العامل في حظه من الربح زكاة حتى يكون في رأس مال رب المال وحصته من الربح ما تجب فيه ويكون أيضا في حظه من الربح ما يجب فيه. وهذا القول تأوله محمد بن المواز على ابن القاسم ولا يوجد له نصا.
والثلاثة الأقوال كلها استحسان ليست بجارية على أصل ولا قياس، إذ لم يعتبر في ذلك ملك أحدهما دون صاحبه على انفراد ولا ملكهما كما فعل في الحرية والإسلام وعدم الدين إذ اقتصر في النصاب على رأس المال وحصة رب المال من الربح دون أن يضيف إلى ذلك ما لرب المال من مال غير مال القراض، وعلى حصة العامل من الربح دون أن يضيف إلى ذلك أيضا ماله من مال حال عليه الحول فيتم به النصاب، وله في الحول قولان: أحدهما: أن العامل لا تجب عليه في حظه من الربح الزكاة حتى يقيم المال بيده حولا من يوم أخذه وإن لم يعمل به إلا قبل أن يحول عليه الحول بيسير. قاله في الزكاة في المدونة، وله في القراض منها دليل على أن الزكاة تجب عليه في حظه من الربح وإن لم يقم المال بيده حولا إذا كان في رأس مال رب المال وحصته من الربح ما تجب فيه الزكاة وحال عليه الحول، وإلى هذا ذهب ابن المواز وعليه حمل قول مالك، وهو الأقيس ألا يراعى في حقه الحول كما لا يراعى فيه النصاب.
والقول الأول هو أجرى على أصله وأظهر من مذهبه، وقد فرغنا من تحصيل القول في هذه المسألة في غير هذا الكتاب، وبالله التوفيق.

.مسألة يدفع إلى الرجل مالا قراضا ويشترط عليه أن زكاة الربح في حصتك من الربح:

ومن كتاب الزكاة:
قال: وسئل مالك: عن الرجل يدفع إلى الرجل مالا قراضا ويشترط عليه أن زكاة الربح في حصتك من الربح.
فقال: ليست فيه خير حتى تكون الزكاة على المال كله، ثم قيل له بعد ذلك: إنما اشترط عليه أن زكاة ربح المال عليه في حصته، فقال: لا خير فيه وليس هذا بحسن.
قال أشهب: لا أرى بذلك بأسا لأنه جزء من الربح.
قال محمد بن رشد: قول أشهب هذا على ما في المدونة من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وفي كتاب ابن المواز وغيره من رواية ابن القاسم وغيره خلاف روايته هذه عن مالك، وخلاف ما في أصل الأسدية. وقد تقدم ذلك في أول السماع، وبالله التوفيق.

.مسألة دفع إليه تسعة عشر دينارا قراضا فربح فيها دينارا أعليه الزكاة:

قال: وسئل مالك: عمن دفع إليه تسعة عشر دينارا قراضا فربح فيها دينارا، أترى عليه الزكاة؟
قال: نعم عليهما الزكاة، وإنما ذلك كهيئة أن يدفع إليه تسعة وثلاثين دينارا قراضا يربح فيها دينارا فتصير أربعين دينارا، فزكاتها دينار يزكى كل واحد منهما ماله.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا في رواية أشهب عنه إنه يزكي التسعة عشر دينارا إذا ربح المقارض فيها دينارا وحال عليها هو مثل قول أشهب وابن القاسم وأصبغ، في سماع أصبغ خلاف قول ابن القاسم في سماع سحنون بعد هذا وخلاف ما في المدونة من أنه لا تجب على العامل في حظه من الربح زكاة حتى يكون في رأس مال رب المال وحصته من الربح ما يجب فيه الزكاة. وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في الرسم الذي قبل هذا، وبالله التوفيق.

.مسألة أخذ من رجل مالا قراضا على أن يدفعه إلى رجل آخر سماه:

من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى: وسئل ابن القاسم: عن رجل أخذ من رجل مالا قراضا على أن يدفعه إلى رجل آخر سماه قراضا ويكون على الآخر الضمان. قال ابن القاسم: يردان إلى قراض مثلهما، وهو بمنزلة ما لو دفعه إليه نفسه على الضمان، فإنه يرد إلى قراض مثله، وليس على الآخر من الضمان شيء.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة عندي أنه أخذ منه المال قراضا بالضمان على أن يدفعه قراضا إلى رجل سمى إن شاء، فصار كأنه دفع إليه قراضا على أن يكون له ضامنا وأذن له أن يقارض به رجلا سماه، فوجب أن يكون حكمه حكم القراض بالضمان يرد فيه إلى قراض مثله إذا فات بالعمل وعمل هو به أو دفعه إلى الرجل المسمى، وإن لم يعمل هو به ودفعه إلى الرجل المسمى قراضا فللرجل المسمى الجزء الذي اشترطه إذ لا فساد فيما بينه وبينه ولمالك في كتاب ابن المواز أن للعامل في القراض على الضمان الأقل من قراض مثله أو المسمى.
وهذا على الاختلاف في البيع والسلف إذا وقع وفات هل تكون فيه القيمة بالغة ما بلغت أو الأقل من القيمة أو الثمن إذا كان المبتاع هو الذي أسلف، فإن كان في مسألتا هذه قد أخذ القراض على النصف بالضمان فدفعه إلى الرجل المسمى على النصف أيضا فرد إلى قراض مثله على ألا ضمان عليه وهو الثلث، كان السدس الفاضل من الربح لرب المال لأنه أحق بالربح بمنزلة إذا أخذه على أن يكون له الثلث ودفعه إلى غيره على النصف، ولو كان قراض مثله الثلثين فرد إليه على القول بأنه يرد إلى قراض مثله بالغا ما بلغ لكان رب المال أحق بثلثي الربح ويرجع المقارض الثاني على المقارض الأول بمثل سدس الربح لاستحقاق رب المال ذلك من يديه.
فمعنى قوله على ما حملنا عليه المسألة، وهو بمنزلة ما لو دفعه إليه نفسه على الضمان، أي: وهو بمنزلة ما لو دفعه إليه نفسه على الضمان ولم يقل له شيئا ووقع في بعض الكتب على الآخر على الآخذ بالذال، في الموضعين جميعا بالذال، وفي بعضها على الآخر بالراء في الموضعين جميعا وفي بعضها في الأول بالذال وفي الثاني بالراء، وفي بعضها بعكس ذلك من غير تقييد رواية بشيء من ذلك يلزم الرجوع إليه.
والصواب ما حملنا عليه المسألة أن يقرأ الأول بالذال والثاني بالراء، ولو كان إنما دفع إليه المال قراضا على أنه ضامن له بشرط ألا يعمل هو به وأن يدفعه إلى الرجل المسمى قراضا لوجب أن يكون الثاني على قراضه، ويكون للأول أجرة مثله في دفعه المال إلى الثاني، إن كان ذلك شيء له أجرة. وقد مضى بيان هذا في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم.
وقد تأول بعض أهل النظر المسألة على أن المعنى فيها أنه دفع إليه المال قراضا على أن يدفعه إلى رجل سماه قراضا ويشترط عليه الضمان، فعلى هذا يرد الثاني إلى قراض مثله، فعلى هذا يكون الأول من اللفظين على الآخر بالراء، والثاني على الآخذ بالذال.
وقد اختلف في القراض الفاسد إذا لم يعثر عليه حتى فات بالعمل على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يرد فيه كله إلى إجارة مثله، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة.
والثاني: أنه يرد فيه كله إلى قراض المثل وهو قول أشهب وقول ابن الماجشون وروايته عن مالك.
والثالث:
أنه يرد إلى قراض مثله إلا أن يكون قراض مثله أكثر من المسمى فلا يزاد على المسمى إذا كان الفساد بما اشترطه رب المال على العامل أو أقل من المسمى فلا ينقص من المسمى إذا كان الفساد بما اشترطه العامل على رب المال، وهو يأتي على ما حكاه ابن المواز عن مالك في القراض بالضمان أن له الأقل من قراض مثله أو المسمى.
والرابع: أنه يرد إلى قراض مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين على صاحبه في المال ليست بخارجة عنه ولا منفصلة منه ولا خالصة لمشترطها، وإلى إجارة مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين على صاحبه خارجة عن القراض ومنفصلة عنه وخالصة لمشترطها وفي كل غرر وحرام خرجا به عن سنة القراض. وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وقول مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، وإياه اختار ابن حبيب، وبالله التوفيق.

.مسألة قارض رجلا بمال فسار به إلى الحجاز فاشترى به تمرا واكترى مركبا:

ومن كتاب استأذن سيده:
وسئل ابن القاسم: عن رجل من أهل القلزم قارض رجلا بمال فسار المقارض بالمال إلى الحجاز فاشترى به تمرا واكترى مركبا بأحد وعشرين دينارا، فلما قدم القلزم، قال صاحب المركب: لمن هذا التمر؟ قيل له: لفلان صاحب المال، فقال: والله ما كنت لآخذ منه شيئا قد أولاني من نفسه خيرا وعارفة.
فأراد صاحب المال أن يكون له الأحد وعشرون وحده، قال: إن لم يكن علم صاحب المركب أن المال كان قراضا فالأحد وعشرون لصاحب المال، وإن كان علم أن المال قراض، وقال: والله ما تركتها إلا له وحده- كان القول قوله في ذلك أيضا، وإن قال: قد علمت أنها قراض فتركتها على وجه المكافأة ولم أذكر له وحده كانت بينهما على قراضهما.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا لم يعلم صاحب المركب أن المال قراض فالأحد والعشرون دينارا لصاحب المال؛ لأنه لم يرد بعطيته سواه، وأما إذا علم أن المال قراض فالعطية بينهما على قراضهما؛ لأنه لما ترك كراء مركبه ووهبه وهو يعلم أنه قراض حصل التمر محمولا بغير كراء، فحصلت العطية لهما إلا أن يقول صاحب المركب: إنما أردت أن يختص صاحب المال بجميع الكراء إذ قد كان وجب لي، فيكون ذلك له، وبالله التوفيق.

.مسألة أيجوز لرب المال أن يأخذ الدنانير القائمة ويعطي العمل قدر ربحه تبرا:

ومن كتاب العارية:
وقال في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا عشرة دنانير تنقص خروبة فاشترى به سلعة فباعها بعشرة دنانير قائمة فأراد الذي له الدنانير أن يأخذها ويعطيه قيمة ربحه ورقا أو تبرا أو يأخذها ويعطيه قدر ما ينوبه دنانير.
قال ابن القاسم: لا يصلح ذلك من قبل الذهب بالذهب متفاضلا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال إنه لا يجوز لرب المال أن يأخذ الدنانير القائمة ويعطيه قدر ربحه منها تبرا ذهبا أو دنانير؛ لأن ربحه لم يتعين في الدنانير القائمة التي باع بها السلعة ولا حصل شريكا مع رب المال فيها بقدر ربحه، إذ لا يجوز له الربح إلا بعد أن ينض رأس المال لصاحبه دنانير ناقصة خروبة على ما دفعه إليه، وذلك لا يكون إلا بعد بيع الدنانير القائمة بدراهم وبيع الدراهم بدنانير ناقصة خروبة كما دفعها إليها هو، وهو الآن لا يدري إذا فعل ذلك كم ينض له من الربح أو هل يكون له ربح أم لا، إذ لعله سيستلف من الدنانير أو الدراهم شيئا في حال تصريفه إياها، فدخل ذلك الغرر مع ما ذكره ابن القاسم في الرواية من بيع الذهب بالذهب متفاضلا، ولم يجب ابن القاسم في الرواية إذا أعطاه قيمة ربحه ورقا. ويظهر من تعليله في الذهب أنه يدخله الذهب بالذهب متفاضلا أن ذلك يجوز في الورق، ولا يجوز ذلك على ما بيناه؛ لأنه يبقى فيه علة الغرر حسبما وصفناه.
ولو كان باع السلعة بدنانير من صفة الدنانير التي دفع إليه في رأس مال القراض أكثر من الدنانير التي دفع إليه فوجب له ربحه فيها بعض دينار لجاز أن يعطيه في حظه منه تبرا ذهبا مراطلة بأن يزن جميع المثقال فيعطيه قدر الجزء الذي له فيه تبرا ذهبا أو مثقالا صغيرا بوزنه إذ لا ينقسم المثقال على ما قالوا في الحلي من الذهب يكون بين الشريكين: إنه يجوز أن يزناه فيعطي أحدهما صاحبه وزن حظه ذهبا. ولا اختلاف في هذا، بخلاف النقرة تكون بين الشريكين فأجاز ذلك ابن القاسم فيها ورواه عن مالك لما في قسمتها من المؤنة، ولم يجز ذلك مالك في رواية أشهب عنه، إذ لا مضرة في قسمتها بخلاف الحلي. وأما بيع نصيبه من شريكه بدنانير إن كانت فضة أو بدراهم إن كانت ذهبا فلا اختلاف في جوازه.
وقد عارض الفضل قول ابن القاسم في هذه المسألة بقول مالك في أول رسم من سماع ابن القاسم أنه لا بأس أن يأخذ المقارض من شريكه ربحا ذهبا من غير الذهب التي هي بينهما.
وليست بمعارضة صحيحة لما بيناه من أن الربح في هذه المسألة لم يتعين بعد للمقارضة في الدنانير القائمة. وقد مضى القول على مسألة سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.